تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٧ - فصل مشرقي
عنه، بدأت بما في نفوسها الأبيّة من مقتضى نفوسها الحميّة، و ذبّت عنه كما يذبّ الوالد عن ولده بغاية قوّته. فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة و صنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم يغن عنه الحالتان من الخشونة و المعونة لم يبق بعده إلّا فداء الشيء بمثله من جنسه او ببدله من غير جنسه. فإن لم تغن هذه الثلاثة تعلّل بما يرجوه من نصر الناصرين أو انتقام المنتقمين، فأخبر تعالى إنّه لا يغني في الآخرة شيء من هذه الأمور عن المجرمين.
ففي هذه الآية أعظم تحذير للإنسان عن المعاصي، و أقوى ترغيب له في التوبة و التلافي، لأنّه إذا تصوّر انّه ليس بعد الموت استدراك و لا شفاعة و لا نصرة و لا فدية علم إنّه لا خلاص له إلا بالطاعة.
و الآية و إن كانت في بني إسرائيل فهي بحسب المعنى تعمّ المكلّفين كلّهم، لأنّ الأوصاف المذكورة فيها هي التي يوصف بها اليوم، فيعمّ كلّ من يحضر في ذلك اليوم.
فصل مشرقيّ
و اعلم إنّ البيان الكشفي للسبب اللمّي و السرّ العقلي في إثبات هذه الأوصاف و الأحكام ليوم الآخرة انّ المؤثّر على قسمين، الأوّل أن يكون تأثيره بمشاركة الوضع و مصادفة المادّة بعضها بعضا. و الثاني أن لا يكون تأثيره كذلك، بل بمجرّد الذات، و الّذي يؤثّر في الشيء بالذات- لا بمشاركة الموادّ و الأوضاع- إمّا السبب الفاعلي أو الغائي أو الصوري لأنه لا تأثير للسبب الماديّ بالاقتضاء و الإيجاب، إذ ليس شأنها إلّا القبول و الانفعال.
إذا تقرّر هذا فجميع هذه الأمور المعدودة في الآية- من المكافأة، و الشفاعة، و الفدية، و النصرة- هي من التأثيرات التي وقعت بين الأشخاص المتشاركين في